بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، لم يعد الدستور مجرد ورقة قانونية، بل أصبح "وثيقة الولادة" لسوريا الجديدة والعقد الذي يربط السوريين ببعضهم بعد عقود من الاستبداد والحرب والتصحُّر السياسي.
ما هو الدستور؟
ببساطة، هو القانون الأعلى في الدولة. هو الذي يحدد شكل نظام الحكم (جمهوري، برلماني، إلخ)، ويوزع السلطات بين الرئيس والبرلمان والقضاء، ويضع الضمانات الأساسية لحقوق المواطنين وحرياتهم التي لا يجوز لأي مسؤول انتهاكها.
يكفل الدستور مبدأ المواطنة المتساوية في بلد متعدد الأطياف مثل سوريا عبر تحقيق وترسيخ الهوية الوطنية الجامعة، وجعلها تسمو وتتعالى فوق جميع الهويات الفرعية والانتماءات الضيقة سواء الطائفية أو العرقية أو المناطقية.
وتتلخص الآليات الدستورية التي تضمن ذلك في "سوريا الجديدة" بما يلي:
1. النص الصريح على "دولة المواطنة"
• يجب أن ينص الدستور في مادته الأولى على أن سوريا دولة تقوم على أساس المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، دون تمييز بسبب الدين، المذهب، العرق، اللغة، أو الجنس. هذا النص هو "حجر الزاوية" لإلغاء أي قوانين تمييزية سابقة.
2. فصل الدين والانتماء عن الحقوق السياسية.
• إلغاء الشروط التي كانت تحصر رئاسة الجمهورية أو المناصب العليا بدين أو مذهب معين.
• اعتماد نظام انتخابي يضمن تمثيل الجميع دون محاصصة طائفية (مثل لبنان) التي أثبتت فشلها، واستبدالها بتمثيل وطني جامع أو كوتا مؤقتة للمكونات لضمان عدم إقصائها.
3. دستورية الحقوق الثقافية واللغوية
• الاعتراف باللغات والمكونات السورية (كردية، تركمانية، سريانية، إلخ) كجزء من الهوية الوطنية الجامعة.
• ضمان حق المكونات في ممارسة شعائرها وتعليم لغاتها وتنمية ثقافتها كحق دستوري أصيل، مما يزيل الشعور بالتهميش الذي غذّى النزاعات سابقاً.
4.حل القضايا العالقة (اللامركزية):
الدستور هو المكان الذي سيُحسم فيه شكل إدارة المناطق السورية، سواء عبر لامركزية إدارية واسعة تمنح المحافظات صلاحيات إدارة شؤونها المحلية، أو عبر نظام مركزي مرن، وهو ما يعتبر مفتاحاً لوحدة الأراضي السورية.
5. إنشاء "المحكمة الدستورية العليا" المستقلة
• لا قيمة للنصوص دون رقابة. الدستور يجب أن يمنح المحكمة الدستورية صلاحية إبطال أي قانون يصدره البرلمان إذا تبين أنه يميز بين المواطنين أو ينتهك مبدأ المساواة.
6. ضمان استقلال القضاء وحقوق الإنسان
• وهذا يستدعي أن ينصّ الدستور على أن "القانون يسري على الجميع". فعندما يشعر المواطن (بغض النظر عن خلفيته) أن القضاء يحميه من تغوّل السلطة أو من سطوة المسؤولين، تلقائياً ومع الوقت سوف تترسخ قيم المواطنة فعلياً.
7. تحييد مؤسسات الدولة (الجيش والأمن)
• عندما يكون الجيش مؤسسة "وطنية" لا تتبع طائفة أو حزباً أو عائلةً أو أشخاصاً، يصبح الجندي السوري حامياً للمواطن السوري بصفته "مواطناً"، وليس بصفته "من جماعته".
التحدي الأكبر حالياً في سورية (2026):
هو كيفية صياغة مادة "دين الدولة" أو "مصدر التشريع" بشكل يرضي المحافظين ويضمن في الوقت نفسه علمانية الدولة وحقوق الأقليات الدينية، وهو ما سيكون محل نقاش ساخن في اللجنة الدستورية.
تتجلّى أهمية الدستور في سورية الجديدة (مرحلة ما بعد 2024) في تحقيق مايلي:
• الانتقال من "دولة الفرد" إلى "دولة المؤسسات":
كان الدستور السابق (2012) يعطي صلاحيات شبه مُطلقة للرئيس، والدستور الجديد تكمن أهميته في ترسيخ مبدأ فصل السلطات وتوزيعها، لضمان عدم ظهور "ديكتاتور" جديد، ولتكون المحاسبة والرقابة هي الأساس.
• حماية التنوع السوري:
سورية بلد يمتاز بالتنوع الطائفي والعرقي والثقافي والدستور هو الضمانة القانونية التي تعترف بهذا التنوع وتحمي حقوق المكونات (مثل الأكراد، التركمان، السريان وغيرهم) وتضمن لهم تمثيلاً عادلاً ومواطنة متساوية دون تمييز.
• إعادة بناء الثقة في القضاء والأمن:
الدستور الجديد يجب أن يضع الحدود الصارمة لعمل الأجهزة الأمنية والجيش ويضمن عدم تدخلهما في الحياة السياسة، ويضمن أيضاً استقلال القضاء تماماً عن السلطة التنفيذية، مما يشجع اللاجئين والمستثمرين على العودة للشعور بالأمان القانوني.
• الشرعية الدولية والدعم الاقتصادي:
وجود دستور ديمقراطي وعصري هو البوابة لرفع العقوبات الدولية بشكل كامل وبدء عمليات إعادة الإعمار الكبرى. فالعالم لن يضخ أموالاً ويجازف بالاستثمار في دولة لا تملك إطاراً قانونياً يحمي الملكية الخاصة ويضمن سيادة القانون.
د. باسل خالد الشيخ ياسين
هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها ولاتعبر عن رأي وحدة تمكين المجتمع المدني